المقريزي

73

إمتاع الأسماع

يصبغ ثيابه بالزعفران ، فقيل له ، فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ به ، ورأيته يحبه ، أو رأيته أحب الصبغ إليه . قال ابن عبد البر : وقد روى أنه كان يخضب ، وليس بقوي ، - والصحيح أنه لم يخضب ، ولم يبلغ من الشيب ما يخضب له ، وعارض من ذهب إلى أنه صلى الله عليه وسلم اختضب بحديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس ( رضي الله عنه قال ) : إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتزعفر الرجل أو ما في معنى ذلك من الأحاديث ، وبأنه اختلفت الرواية عن أنس . فخرج الترمذي من حديث عمرو بن عاصم قال : أخبرنا حماد بن سلمة ، حدثنا حميد عن أنس قال : رأيت شعر النبي صلى الله عليه وسلم مخضوبا ( 1 ) .

--> ( 1 ) ( الشمائل المحمدية ) : 62 ، باب ما جاء في خضاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حديث رقم ( 48 ) . ( 49 ) كلاهما عن إنس بن مالك ، والحديث الأول صحيح ، والثاني إسناده حسن ، وظاهر الحديث يخالف المشهور من حديث أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخضب ، والجمع بين هذه الأحاديث بحمل الخضاب هنا على تغير لون الشعر من الطيب ونحوه ، لا على الخضاب بالحناء ، كما جاء في ( طبقات ابن سعد ) : 1 / 436 ، من حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، قال : رأست شعرا من شعره يعني النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو أحمر ، فسألت عنه فقيل لي : احمر من الطيب ، ونحو هذا ما رواه الحاكم في ( المستدرك ) : 2 / 663 - 664 ، كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين ، حديث رقم ( 4201 ) ، وقال في ( التلخيص ) : صحيح ، من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل ، وفيه : وإنما هذا الذي لون من الطيب الذي كان يطيب شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا الجمع لطرق حديث أنس أولى من الحكم على حديث حميد وابن عقيل بالشذوذ ، لأن إعمال الحديث أولى من إهماله . وبذلك تتفق الروايات عن أنس . ولكن يشكل على هذا الجمع ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم : أنه كان يخضب ، كما في حديث أم سلمة ، وأبي رمثة ، وغيرهما ، والجواب على هذا : أن المثبت مقدم على النافي ، لأن معه زيادة علم ، والزيادة من الثقة مقبولة . ويمكن الجمع بما قاله النووي رحمه الله : والمختار أنه صلى الله عليه وسلم خضب في وقت ، دل عليه حديث ابن عمر في الصحيحين ، وتركه في معظم الأوقات ، فأخبر كل بما رأى وهو صادق ، والله تعالى أعلم .